"بودكاست ساندوتش ورقي: سلسلة فن العطاء (5) – استثمر مهارتك: كيف تحول مهاراتك إلى أداة فعّالة للعطاء؟"
كيف تحول مهاراتك الشخصية والمهنية إلى وسيلة للعطاء وصناعة أثر إيجابي؟
من هو مقدم الحلقة؟
تأتي هذه الحلقة ضمن سلسلة «فن العطاء»، التي تركز على مفهوم العطاء بصورة أوسع من مجرد تقديم المال أو المساعدة المادية. وفي الحلقة الخامسة، ينتقل الحديث إلى نوع مهم من العطاء يستطيع كل شخص تقريبًا ممارسته، وهو العطاء بالمهارات والخبرات. فكل إنسان يمتلك مجموعة من القدرات التي اكتسبها من الدراسة أو العمل أو التجارب الشخصية، وقد تكون هذه المهارات ذات قيمة كبيرة بالنسبة لأشخاص آخرين يحتاجون إليها.
وتطرح الحلقة فكرة مهمة وهي أن العطاء لا يشترط امتلاك موارد مالية كبيرة أو وقت طويل، فقد يكون الشيء الذي تستطيع تقديمه للآخرين موجودًا بالفعل لديك، لكنه يحتاج فقط إلى أن تنظر إليه بطريقة مختلفة. مهارتك في التعليم، أو التصميم، أو البرمجة، أو الإدارة، أو الكتابة، أو التصوير، أو التواصل، أو حتى قدرتك على تنظيم الأمور ومساعدة الآخرين في اتخاذ القرارات، يمكن أن تتحول إلى وسيلة حقيقية لدعم شخص آخر.
ومن خلال هذه الفكرة، تشجع الحلقة على إعادة اكتشاف المهارات الشخصية والمهنية والتفكير في الطرق التي يمكن استخدامها بها لخدمة الآخرين. فالمهارة التي تبدو عادية بالنسبة لصاحبها قد تكون فرصة مهمة لشخص آخر، واستخدامها في المكان المناسب يمكن أن يصنع تأثيرًا أكبر مما يتوقعه الإنسان.
كيف يمكن لمهاراتك أن تصبح وسيلة للعطاء؟
يمتلك كل شخص تقريبًا مهارات مختلفة، سواء كان يدرك قيمتها أم لا. هناك شخص يستطيع شرح المعلومات بطريقة بسيطة، وآخر لديه قدرة على حل المشكلات، وشخص يجيد التعامل مع التكنولوجيا، بينما يمتلك آخر موهبة فنية أو قدرة على إدارة الفرق وتنظيم الوقت. وفي كثير من الأحيان لا ينظر الإنسان إلى هذه القدرات باعتبارها وسيلة يمكن أن يقدم من خلالها شيئًا للآخرين، لأنه اعتاد استخدامها في الدراسة أو العمل فقط.
لكن تحويل المهارة إلى وسيلة للعطاء يبدأ من إدراك قيمتها. فإذا كنت تجيد لغة معينة، يمكنك مساعدة شخص على تعلمها. وإذا كنت محترفًا في مجال تقني، يمكنك تعليم المبتدئين أساسيات هذا المجال أو مساعدتهم على تجاوز مشكلة تواجههم. وإذا كنت تمتلك خبرة في الإدارة، فقد تستطيع مساعدة صاحب مشروع صغير على تنظيم عمله أو اتخاذ قرار أفضل.
العطاء بالمهارات له ميزة مهمة، وهي أنه يعتمد على شيء موجود لديك بالفعل. أنت لا تحتاج بالضرورة إلى شراء شيء أو تقديم مبلغ مالي حتى تساعد الآخرين، وإنما تستطيع مشاركة جزء من معرفتك أو خبرتك أو وقتك. وهذا يجعل هذا النوع من العطاء متاحًا أمام عدد كبير من الأشخاص، حتى الذين لا يملكون إمكانيات مادية كبيرة.
كما أن مشاركة المهارات لا تفيد الشخص الذي يحصل على المساعدة فقط، وإنما يمكن أن تساعد صاحب المهارة نفسه على تطوير قدراته. فعندما تشرح معلومة لشخص آخر، قد تكتشف جوانب جديدة في معرفتك، وعندما تساعد شخصًا في حل مشكلة، قد تتعلم من التجربة نفسها. وبالتالي يصبح العطاء عملية متبادلة يمكن أن يستفيد منها الطرفان.
والأهم أن العطاء بالمهارات لا يعني أن تكون خبيرًا عالميًا حتى تتمكن من مساعدة الآخرين. أحيانًا تكون لديك خبرة بسيطة لكنها متقدمة مقارنة بشخص يبدأ من الصفر. ما تعرفه اليوم ربما استغرق منك أشهرًا أو سنوات حتى تتعلمه، ولذلك فإن مشاركة هذه المعرفة مع شخص آخر يمكن أن توفر عليه وقتًا وجهدًا كبيرين.
يمكن أن يبدأ الأمر بخطوة صغيرة جدًا، مثل تعليم شخص مهارة تعرفها، أو تقديم نصيحة لشخص في بداية طريقه المهني، أو مساعدة طالب على فهم موضوع دراسي، أو مشاركة مصدر تعليمي مفيد مع شخص يحتاج إليه. ومع تكرار هذه الخطوات، يمكن أن يتحول الأمر إلى أسلوب مستمر للعطاء.
أنواع المهارات التي يمكن استخدامها في مساعدة الآخرين
يمكن استخدام المهارات الشخصية والمهنية في مجالات كثيرة، ولا توجد طريقة واحدة صحيحة للعطاء. فالشخص الذي يمتلك مهارات تقنية يمكنه تقديم المساعدة في مجالات التكنولوجيا والبرمجة واستخدام الأدوات الرقمية، بينما يستطيع الشخص الذي يمتلك مهارات فنية مشاركة خبرته في الرسم أو التصميم أو التصوير أو صناعة المحتوى.
أما المهارات التعليمية، فهي من أكثر المهارات التي يمكن تحويلها إلى وسيلة للعطاء، لأن مشاركة المعرفة يمكن أن تفتح أمام شخص آخر فرصًا جديدة. وقد تكون المساعدة في صورة شرح درس، أو تدريب على مهارة، أو توجيه شخص يريد دخول مجال جديد، أو مشاركة خبرة عملية تساعده على تجنب أخطاء شائعة.
كذلك يمكن للمهارات الإدارية والتنظيمية أن تكون ذات قيمة كبيرة. فهناك أشخاص يمتلكون قدرة مميزة على التخطيط وترتيب الأولويات وإدارة الوقت وتنظيم الفرق، ويمكنهم استخدام هذه الخبرات لمساعدة الآخرين على تحسين طريقة عملهم أو إدارة مشروعاتهم.
حتى المهارات التي تبدو بسيطة يمكن أن يكون لها تأثير. القدرة على الاستماع، مثلًا، أو التواصل الجيد، أو تقديم الدعم والتشجيع، قد تساعد شخصًا يمر بمرحلة صعبة أو يحتاج إلى من يوجهه. وهذا يوضح أن مفهوم العطاء بالمهارات لا يرتبط فقط بالمهارات التقنية المتخصصة، وإنما يشمل مجموعة واسعة من القدرات الإنسانية والمهنية.
ومن المهم أيضًا أن يختار الشخص طريقة العطاء التي تناسب قدراته ووقته. ليس من الضروري أن يقدم ساعات طويلة كل أسبوع، فقد يكون تخصيص ساعة واحدة لتعليم شخص مهارة معينة ذا قيمة كبيرة. ويمكن أن يكون العطاء مرة واحدة في موقف يحتاج فيه شخص إلى مساعدة، أو يتحول إلى عادة منتظمة حسب قدرة الشخص وظروفه.
لماذا يعتبر العطاء بالمهارات مؤثرًا في المجتمع؟
عندما يشارك الأشخاص مهاراتهم مع الآخرين، فإن الفائدة لا تتوقف عند الشخص الذي تلقى المساعدة. المعرفة يمكن أن تنتقل من شخص إلى آخر، والمهارة التي يتعلمها فرد قد يستخدمها لاحقًا لمساعدة أشخاص آخرين. وبذلك يمكن أن يتوسع أثر العطاء بصورة تدريجية.
على سبيل المثال، إذا ساعد شخص لديه خبرة في البرمجة شابًا على تعلم أساسيات المجال، فقد يتمكن هذا الشاب لاحقًا من الحصول على فرصة عمل أو تطوير مشروع خاص به. وإذا قام بعد ذلك بمشاركة ما تعلمه مع شخص آخر، فإن المعرفة تستمر في الانتقال، ويصبح أثر المساعدة الأولى أكبر من حجمها في اللحظة التي حدثت فيها.
وهذا النوع من العطاء يمكن أن يساهم أيضًا في تقليل الفجوة بين الأشخاص الذين يمتلكون فرصًا كبيرة للتعلم والتطور، وبين الأشخاص الذين قد لا يستطيعون الوصول بسهولة إلى الخبرات أو المصادر التعليمية. مشاركة الخبرة تتيح للآخرين فرصة الاستفادة من تجارب ربما كان من الصعب الوصول إليها بمفردهم.
كما أن العطاء بالمهارات يساعد على بناء مجتمع أكثر تعاونًا. فعندما يدرك كل شخص أن لديه شيئًا يستطيع تقديمه، تتحول فكرة العطاء من مسؤولية تقع على فئة معينة إلى ثقافة يمكن للجميع المشاركة فيها. شخص يقدم خبرته، وآخر يقدم وقته، وثالث يساعد بمهارة يمتلكها، وفي النهاية تتجمع هذه المساهمات الصغيرة لتصنع تأثيرًا أكبر.
وتكمن أهمية هذه الفكرة أيضًا في أنها تجعل العطاء مرتبطًا بالإمكانات الحقيقية لكل فرد. فبدلًا من مقارنة ما يملكه الشخص بما يملكه الآخرون، يمكنه أن يسأل نفسه: ما المهارة التي أمتلكها ويمكن أن يحتاج إليها شخص آخر؟ هذا السؤال البسيط قد يكون نقطة البداية لاكتشاف طريقة جديدة للمساهمة في حياة الآخرين.
والعطاء لا يعني دائمًا أن تحصل على مقابل مباشر. أحيانًا تكون القيمة الحقيقية في رؤية شخص يستفيد من المعرفة التي شاركتها معه، أو في مساعدته على تجاوز مشكلة، أو في منحه فرصة كان من الصعب عليه الوصول إليها بمفرده. ومع ذلك، فإن هذا النوع من العطاء يمكن أن يعود بفوائد غير مباشرة على صاحبه، مثل توسيع شبكة علاقاته، وتطوير خبرته، وزيادة ثقته بقدراته، والشعور بأن مهاراته لها قيمة تتجاوز الاستخدام الشخصي أو الوظيفي.
لهذا تقدم الحلقة الخامسة من «فن العطاء» فكرة بسيطة لكنها واسعة التأثير: ليس مطلوبًا منك أن تمتلك الكثير حتى تعطي، فقد يكون ما تحتاج إليه للعطاء موجودًا لديك بالفعل. مهارتك، خبرتك، معرفتك أو حتى الوقت الذي تستطيع تخصيصه يمكن أن يصبح وسيلة لمساعدة شخص آخر.
ويمكن لأي شخص أن يبدأ من المكان الذي يوجد فيه الآن، دون انتظار الوصول إلى مستوى مثالي من الخبرة أو امتلاك إمكانيات كبيرة. تحديد المهارات التي يجيدها، ومعرفة الأشخاص الذين يمكن أن يستفيدوا منها، ثم اختيار طريقة مناسبة لمشاركتها، كلها خطوات بسيطة يمكن أن تحول المعرفة الشخصية إلى قيمة حقيقية للآخرين.
ومع استمرار مشاركة المهارات والخبرات، يصبح العطاء أكثر من مجرد موقف فردي، ويتحول إلى وسيلة لبناء مجتمع يتبادل أفراده المعرفة والخبرة والدعم. وهنا تظهر قوة المهارات الحقيقية؛ فهي لا تفقد قيمتها عندما نشاركها، بل يمكن أن تتضاعف قيمتها كلما انتقلت إلى أشخاص جدد واستخدموها في صناعة نتائج أفضل في حياتهم ودراستهم وعملهم.